محمد ثروت: "كان حلمي الالتحاق بالطيران الحربي وكزبرة يمتلك كاريزما خاصة"
استرجع الفنان محمد ثروت، ذكرياته مع الثانوية العامة، موضحًا أن حلمه الأول والوحيد كان الالتحاق بالطيران الحربي، وبينما كان يستعد لتحقيق هذا الطموح مستندًا إلى لياقته البدنية العالية، جاءت الصدمة من صديق العائلة الذي أخبره بثقة: "لن يتم قبولك، فالطيارون يجب أن يكونوا قصار القامة لتناسبهم كابينة الطائرة".
وعلق محمد ثروت: "صدقت الخدعة للأسف، وانهار حلمي في لحظة، رغم أن العلم والمنطق يقولان إن المقاعد قابلة للتعديل حتى في السيارات، فما بالك بالطائرات"، مشيرًا إلى أن هذا الموقف، رغم غرابته، كان الدافع وراء قراره بالبحث عن وجهة جديدة تماماً.
وأوضح أن حلمه انتقل من العسكرية إلى مسرح الجامعة بكلية التجارة جامعة عين شمس، وهناك، لم تكن الدراسة هي الأولوية، بل كان الفن هو المحرك، معقبًا: "قضيت في الكلية 7 سنوات بدلاً من 4، كنت أسقط بمحض إرادتي لأبقى أطول فترة ممكنة على المسرح"، مؤكدًا أن هذه السنوات كانت هي فترة التكوين الحقيقية التي صقلت موهبته قبل الانتقال إلى مركز الإبداع الفني.
وأكد أن مسرحية "قهوة سادة" مع المخرج القدير خالد جلال كانت فتحة الخير، ووصفها بأنها كانت النافذة التي أطل منها جيل كامل على كبار المخرجين والمنتجين في مصر، حيث أتاحت للعرض المسرحي تقديم المواهب الشابة بشكل لافت واحترافي.
ولفت إلى أنه توالت النجاحات بعد ذلك، لتبدأ مرحلة الانتشار الجماهيري الواسع، حيث شارك في مسلسل "الكبير أوي"، وهي المحطة التي عرفه الجمهور من خلالها بشكل قوي مع النجم أحمد مكي والمخرج أحمد الجندي، علاوة على فيلم"جحيم في الهند" الذي كان بمثابة النقلة السينمائية المهمة مع النجم محمد عادل إمام ومعتز التوني.
وأشار إلى أن اللقاء الفارق كان مع الفنان عادل إمام في مسلسلي "مأمون وشركاه" و"عفاريت عدلي علام" تحت قيادة المخرج رامي إمام، موضحًا أنه لا ينسى بصمته المميزة في فيلم "الحرب العالمية الثالثة"، حيث قدم شخصية "تمثال أحمد عرابي" بعد نجاح شخصية "محسن ممتاز"، وهي الأدوار التي يراها كانت فتحة خير جعلت الجمهور يراه بعين مختلفة تمامًا.
وروى ثروت، كواليس ليلة متمردة، قرر فيها نجوم العرض الخروج عن النص وإلقاء إيفيهات جديدة دون الرجوع للمخرج، وهو ما يعتبر في عرف المخرج خالد جلال جرمًا مسرحيًا لا يغتفر، نظرًا لحرصه الشديد على انضباط زمن العرض وعدم الإطالة.
وقال: "الأستاذ خالد صارم جداً، والبروفات عندنا مقدسة، لكن في تلك الليلة اتفقنا جميعاً على الارتجال، والنتيجة انفجار من الغضب خلف الكواليس واجتماع عاجل لتوبيخ الجميع".
وأوضح، أنه بينما كان المخرج خالد جلال يوزع نظرات الغضب على الممثلين في غرفة الملابس، حاول بطلنا التسلل والهروب من المحاكمة، وروى ضاحكاً: "كنت أرتدي طاقية تونسية حمراء كإكسسوار، ولا أعلم لماذا شعرت للحظة أنها ستحميني! حاولت المرور من الباب الوحيد للمركز، حيث كان الأستاذ يقف تماماً ليواجه الخارجين".
وتابع: "زملائي الذين كان يوبخهم رآوني وأنا أحاول التسلل خلف ظهره، فبدأوا في الإشارة لي بحركات مضحكة، مما لفت انتباهه. وفجأة، التفت إليّ قائلاً: (أنت لسه طالع؟)، فكان ردي التلقائي الذي فجر الضحك: (يا نهار أسود.. هو أنت شايفني؟)".
ولفت إلى أن تلك الجملة العفوية لم تنهِ الاجتماع العاصف بالضحك فحسب، بل قلبت موازين الغضب، ورغم أن الأستاذ خالد جلال سامحهم على الإيفيهات الزائدة، إلا أنه قرر معاقبة بطل الواقعة بتجاهل فني طريف.
واختتم: "ظل الأستاذ لفترة لا يوجه لي الكلام مباشرة، وإذا أراد إعطائي ملاحظة، يوجهها لزميلي الواقف بجانبي قائلاً: (قول لصاحبك اللي جنبك ده ما يكررش الإيفيه ده تاني).. وهكذا هي كواليسنا، مزيج من الانضباط العسكري والروح الأسرية التي صنعها خالد جلال".
وأوضح ثروت، محاولات إرضاء والده الكابتن ثروت سعيد، بطل مصر وإفريقيا في رمي القرص، واللحاق بمسيرته في ألعاب القوى قائلا: "كنت أتدرب بكل طاقتي، لكن والدي كان فارع الطول، وفي رياضة الرمي، الطول ميزة لا تعوض"
وأضاف: "كنت أبذل مجهوداً جباراً، ثم يأتي منافس أطول مني بـ 5 سنتيمترات فقط ليرمي أبعد مني بكل سهولة، وهنا أدركت أن الرياضة قد تظلمك مهما اجتهدت، بينما التمثيل كان منصفاً؛ تمنحه مجهودك فيمنحك أدواراً وخبرة وحب الناس".
وأشار إلى أنه على عكس المتوقع من بطل رياضي ببنيان عملاق، كان والده الكابتن ثروت سعيد صديقاً لأبنائه، يبتعد عن أساليب العقاب البدني التقليدية، لكن تمرد المراهقة كان له ضريبة دفعها الفنان مرة واحدة في حياته ولن ينساها، مسترجعًا تلك اللحظة قائلاً: "كنت في مرحلة الشارب الرفيع وبداية التمرد في أولى ثانوي، وتأخرت ذات ليلة، وعندما واجهني والدي بخوفه عليّ، رفعت صوتي قليلاً، وهنا تدخلت اليد التي حصدت بطولات إفريقيا، ولكن هذه المرة ليس لرمي القرص، واصفًا المشهد بفكاهة قائلا: "تلقيت منه قلماً واحداً بيده اليمين وهي نفس اليد التي يرمي بها القرص جعلني أرى الغرفة تدور حولي 360 درجة قبل أن أستوعب ما حدث".
واختتم: "كانت الصدمة كبيرة لأنه لم يضربني قط، لكن اليوم، وبعدما كبرت وأصبحت أباً، أدركت أن ذلك القلم كان دافعه الخوف والحب، الله يرحمه.. حقه عليا".
وكشف ثروت، عن جيل العمالقة الذين شكلوا وجدانه، وبين جيل الشباب الذين يشاركونه مغامرة الفن اليوم. وعند سؤاله عن أكثر من يجعله "يفطس من الضحك"، ذكر الفنان محمد ثروت، أن اسم الراحل سمير غانم، قائلا: "أستاذ سمير له مكانة خاصة في قلبي، عاصرته ومثلت معه، ومغرم به منذ صغري، والعجيب أنني قد أكون حافظاً للإيفيه الذي سيقوله، ومع ذلك أضحك وكأنها المرة الأولى".
وذكر أساطير الضحك الذين تعلم منهم، مؤكداً أن الكوميديان الحقيقي يجب أن يدرس كل المدارس، بدءاً من نجيب الريحاني، مروراً بفؤاد المهندس، وعبد المنعم مدبولي، سعيد صالح، وصولاً إلى الزعيم عادل إمام، مضيفا: "يجب أن تعرف المدرسة التي تنتمي إليها لتفهم فلسفة الضحك التي تقدمها".
وعن الجيل الحالي، أبدى محمد ثروت تفاؤلاً كبيراً بوجود مواهب وصفها بالأقمار، مشيداً بأداء كل من طه دسوقي، وعصام عمر، ومصطفى غريب، كما أثنى على رفقاء الدرب من "مسرح مصر" مثل مصطفى خاطر، علي ربيع، أوس أوس، محمد أنور، وحمدي الميرغني.
وفي مفارقة طريفة، سُئل محمد ثروت عن الممثل الذي يجعله يضحك حتى وهو يؤدي مشهدا تراجيديا أو حزيناً، ليقع اختياره على الثنائي شيكو وحمدي الميرغني "توتة".
وعن السبب يقول ضاحكاً: "شيكو صديقي جداً، وأعرف تماماً من أين يستحضر مشاعره، لذا حين يمثل الجد أضحك، أما حمدي الميرغني (توتة)، فلديه وجه مبهج؛ حين يحاول البكاء، تحمر وجنتاه ويصبح وجهه مثل البالونة، مما يجعل الموقف بالنسبة لي قمة في الكوميديا رغم محاولته التأثر".
وأبحر محمد ثروت في ذكرياته وتقييمه لزملائه في الوسط الفني، متنقلاً بين مدارس الكوميديا العريقة وطموحات الجيل الشاب، مقدما بورتريهات فنية تعكس عمق العلاقة التي تجمع صناع البهجة في مصر.
وأشاد محمد ثروت، بالفنان أحمد العوضي، حيث وصفه بالممثل المجتهد الذي استطاع إثبات نجاحه بجدارة، مستذكراً الكيمياء الفنية العالية التي جمعتهما في أعمال سابقة، واصفاً إياها بمشاهد تمثيل حقيقي، أما عن عمرو سعد، فقد كشف عن وجود رغبة دائمة للتعاون بينهما، إلا أن ظروف المواعيد والارتباطات كانت تحول دون ذلك، وآخرها مسلسل هذا العام.
وأوضح: "الكدواني وصل لمرحلة من الإتقان تجعلك تشبع تمثيلاً بمجرد رؤيته، لقد بحث طويلاً عن روح الشخصيات حتى أصبح أسطورة من أساطير التمثيل في وقتنا الحالي".
وتحدث عن الراحل الكبير سمير غانم، واصفاً إياه بـ"أبي الروحي" وصاحب المدرسة التي لن تتكرر، وعن أهم نصيحة تلقاها منه، قال: "كان دائماً يوصيني بالضحك مهما كانت جودة المشهد، فالمهمة الأساسية للكوميديان هي إسعاد الجمهور حتى لو اضطر للارتجال وخلق البهجة من العدم".
وعلق على نجاح مسلسل "اللعبة"، مشيدا بالفنانة ميرنا جميل ووصفها بزميلة الكفاح والكوميديانة المتطورة، كما أثنى بشكل خاص على الفنان هشام ماجد، مؤكداً أنه من أكثر الممثلين الذين يشعر الفرد بالراحة في العمل معهم، لكونه يضع مصلحة العمل ونجاح المسلسل ككل فوق رغبته في الانفراد بالإفيهات.
وحول الوجوه الشابة، أبدى إعجابه بتجربة كزبرة في أولى بطولاته المطلقة، معتبراً إياه "ابن بلد" يمتلك كاريزما خاصة، ناصحاً إياه بالاستفادة من مميزات تجربته الأولى وتجنب السلبيات في المستقبل، وعن رامز جلال، اكتفى بوصفه بالمجنون الذي جمعه به تاريخ من الأفلام والمغامرات التلفزيونية.


